ابن رشد
77
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
ترجع هذه المقدمات العقلية إلى نظرية الجوهر الفرد كما صاغها أبو الهذيل العلاف وكيفها الباقلاني مع أصول المذهب الأشعري ، كما بينا ذلك في المدخل . تصدى ابن رشد لنقد هذه النظرية في صيغتها الأشعرية ، مشيرا بادئ ذي بدء إلى أنها تنبني عندهم على ثلاث مقدمات هي بمنزلة الأصول لما يرومون إنتاجه عنها من حدوث العالم : إحداها أن الجواهر لا تنفك عن الأعراض أي لا تخلو منها ، والثانية أن الأعراض حادثة ، والثالثة أن ما لا ينفك عن الحوادث حادث ، أعني ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث . ثم ينتقل مباشرة إلى نقد هذه المقدمات . أ - ما يصدق على الكم المتصل لا يصدق على المنفصل - أما المقدمة الأولى ، فيقول بشأنها : إنهم إن عنوا بالجواهر الأجسام المشار إليها القائمة بذاتها فهي مقدمة صحيحة ، وإن عنوا بها الأجزاء التي لا تتجزأ ، وهذا ما يقصدونه ففيها ، أي في هذه المقدمة ، شك ليس باليسير . ذلك أن وجود جوهر غير منقسم ليس معروفا بنفسه ، وفي وجوده أقاويل متضادة شديدة التعاند ( ف : 26 - 27 ) وإذن فقبل أن نقول : " الجواهر الفردة لا تنفك عن الأعراض " يجب أن نكون قد أثبتنا الجوهر الفرد وعرفناه بنفسه . والأشعرية لم يستطيعوا إثبات الجوهر الفرد إلا بأدلة خطابية ، تقوم على مجرد التمثيل ، مثل قولهم إن الفيل أعظم من النملة لأن فيه من الأجزاء أكثر مما فيها ، ثم يستخلصون من ذلك أن أجزاء الفيل متناهية العدد مثلها مثل أجزاء النملة ، لأنه لو كانت أجزاؤهما غير متناهية لما صح القول إن أجزاء النملة أقل من أجزاء الفيل ولما كانت أصغر منه . وهذا في نظر ابن رشد غلط . وهذا الغلط " إنما دخل عليهم من شبه الكمية المنفصلة بالمتصلة ، فظنوا أن ما يلزم في المنفصلة يلزم في المتصلة " . وذلك أن هذا الذي قالوه إنما يصدق في العدد : " فنقول إن عددا أكثر من عدد من قبل كثرة الأجزاء الموجودة فيه ، أعني الوحدات . وأما الكم المتصل فليس يصدق ذلك فيه ، ولذلك نقول في الكم المتصل إنه أعظم وأكبر ولا نقول إنه أكثر وأقل . ونقول في العدد إنه أكثر وأقل ولا نقول أكبر وأصغر " ( ف : 2930 ) . ب - لا يصح قياس الجسم السماوي على أجسام الأرض وأما المقدمة الثانية : وهي القائلة إن جميع الأعراض محدثة فمشكوك فيها هي الأخرى . وخفاء هذا المعنى فيها ( - كونها محدثة ) كخفائه في الجسم . فنحن إنما شاهدنا بعض الأعراض وليس جميعها . فإذا جوزنا الحكم بالحدوث